الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

130

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومنها : حياء المحب من محبوبه ، حتى إنه إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه ، فلا يدرى ما سببه . ومنها : حياء العبودية ، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده ، وأن قدره أعلى وأجل منها ، فعبوديته له توجب استيحاءه منه لا محالة . ومنها : حياء المرء من نفسه ، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص ، وقنعها بالدون ، فيجد نفسه مستحييا من نفسه ، حتى كأن له نفسين ، يستحى بإحداهما من الأخرى ، وهذا أكمل ما يكون من الحياء ، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحى من غيره أجدر . والحياء - كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - « لا يأتي إلا بخير » « 1 » ، « وهو من الإيمان » « 2 » ، كما رواهما البخاري . قال القاضي عياض وغيره : وإنما جعل الحياء من الإيمان - وإن كان غريزة - لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم . وقال القرطبي : الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان ، وهو المكلف به دون الغريزي . غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب ، حتى يكاد يكون غريزيّا ، وكان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - قد جمع له النوعان ، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها . وقال القاضي عياض : وروى عنه - صلى اللّه عليه وسلم - : كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد . وأما خوفه - صلى اللّه عليه وسلم - ربه جل وعلا ، فاعلم أن الخوف والوجل والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة . قال الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجارى

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6117 ) في الأدب ، باب : الحياء ، ومسلم ( 37 ) في الإيمان ، باب : بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ، من حديث عمران بن حصين - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : وهو يشير إلى حديث « الإيمان بضع وسبعون شعبة . . » ، والحديث أخرجه البخاري ( 9 ) في الإيمان ، باب : أمور الإيمان ، ومسلم ( 35 ) في الإيمان ، باب : بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .